عبد الوهاب الشعراني
24
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
ظهرت لا تحتاج إلى صور الأشخاص ولكن إن حصل للمريد الجمع بين الصورتين فهو أكمل . وكان يقول : من شرط المريد أن لا يصحب شيخه بنفس ولا ملك ولا اختيار ، بل يرى نفسه ملكا لشيخه يتصرف فيها كيف يشاء ، وكل من طلب الوصول إلى مقامات الرجال بغير محبة شيخ ومخالفة نفس فقد أخطأ الطريق . وكان يقول : من خدم شيخه بلا أدب جره ذلك إلى العطب ، ومن خدمه بالأدب فقد حاز عز الدارين وحصل الأرب . وكان يقول كثيرا : لا ينال المريد الصادق درجة الرجال حتى يبذل الروح ويفني إرادته تحت مراد شيخه ، ثم ينشد : ولو قيل لي مت متّ سمعا وطاعة * وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا وكان يقول : من علامة شقاء المريد أن يرزق صحبة الشيوخ ولا يحترمهم . وكان أبو بكر الوراق رحمه اللّه يقول : كل مريد لا تغنيه رؤية شيخه عن الطعام والشراب أسبوعا فليس بصادق . وكان يقول : كل مريد لا ينتفع بأفعال شيخه لا ينتفع بأقواله . وكان يقول : كل مريد اشتغل بخدمة شيخه ترقى إلى حسن خدمة اللّه عز وجل ، ومتى فرط في خدمة شيخه حرم حسن معاملة الحق تعالى . فعليكم أيها المريدون بخدمة الأشياخ ، فإنهم كالصياد الذي يصطاد المريدين من أفواه الشياطين ، وكل من بلعه الشيطان في بطنه شقي إلى الأبد . وكان يقول : إذا أمرك شيخك بالخلوة فاسمع ولا تطالبه بدليل على ذلك وتقول إنما اختلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غار حراء قبل نزول الوحي عليه فلما نزل الوحي عليه لم يبلغنا أنه اختلى ، وقد وجدنا نحن بحمد اللّه الوحي « من قرآن وسنة » وما بقي إلا العمل بهما ، فأي فائدة للخلوة ؟ بل اسمع لشيخك فإنه إنما يريد بخلوتك تقوية استعدادك وتهيئته العمل بالكتاب والسنة ، حتى تتلطف كثافتك بالرياضة ، فتصير تفهم أسرار الشرع وترسخ في مقام الإيمان ، فلا يفتنك الشيطان ، لا في الحياة ، ولا عند الموت ، فالخلوة مرتب عليها العمل بثمرة الوحي وظهور نور اللّه عز وجل ، وإنما كانت أربعين يوما لأن مدة الدرّ في صدفه كذلك ، وكذلك هي عدد أيام توبة نبي اللّه تعالى داود ، وفيها يكون نتاج النطفة علقة ، ثم مضغة ، ثم صورة . وكان يقول : عليك أيها المريد بصحبة الشيخ صاحب الحال ، فإن لم تجده فعليك بصاحب المقال ، قال تعالى : « فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » وإياك وصحبة من لا حال له ولا مقال .